ليست تجميع للمعلومات بل هي تمكين العقول
في زمنٍ ازدحمت فيه البرامج والمنصات، وتكاثرت فيه المبادرات التي تتحدث باسم “المعرفة”،
أصبحت الصورة ضبابية:
هل إدارة المعرفة هي أنشطة؟ أم معلومات؟ أم مكتبات رقمية؟
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن المعرفة ليست أنشطة ولا وثائق ولا بيانات،
بل هي نتاج عقلي إنساني يتشكل من موهبة، أو تجربة، أو خبرة متراكمة.
المعرفة ليست شيئاً نُخزنه، بل كيانٌ حيّ يسكن في العقول ويتحرك بالتفاعل.
جوهر الفكرة
من الخطأ النظر إلى إدارة المعرفة كمشروع لتجهيز الشِّباك وصيد المعلومات.
المعرفة لا تُصطاد من الخارج، بل تُستثار من الداخل.
إنها أشبه بطاقةٍ بشرية كامنة تحتاج إلى نظام إداريّ يكتشفها ويُفعّلها ويجعلها تتكلم.
الأنظمة التقنية — مهما بلغت كفاءتها — لا تُنتج معرفة،
بل تعمل كـ قنوات ناقلة لما تنتجه العقول فقط.
أما المعرفة الحقيقية فتولد في لحظة وعي، في موقفٍ عملي، أو فكرة تنبثق من عقلٍ خبر التجربة.
ولهذا، فإن تأسيس إدارة معرفة حقيقية يعني بناء بيئة مؤسسية تحتضن التفكير وتقدّر الخبرة وتسمح بالمشاركة.
بيئة لا تبحث عن “ما كُتب” بل عن “من يفكر”.
النظام الذي يحتضن المعرفة:
النظام الإداري الناجح في إدارة المعرفة لا يفرضها على الأفراد،
بل يصمم مساحات تُمكّنهم من التعبير عنها وتداولها وتطويرها.
هو نظام يتعامل مع العقول لا مع الملفات،
ويستثمر في الإنسان لا في الأداة.
فبدلاً من إنشاء أنظمة تخزين، نؤسس شبكات تفاعل؛
وبدلاً من قياس حجم المحتوى، نقيس مستوى الوعي المعرفي وتدفق الخبرة.
بهذا المفهوم تتحول إدارة المعرفة من “إجراء مؤسسي” إلى ثقافة إنتاج فكري جماعي،
ومن نشاطٍ تشغيلي إلى قدرة استراتيجية تعيد تعريف العلاقة بين الفكر والإنتاج.
من إدارة المعلومات إلى تمكين العقول:
الفرق بين إدارة المعرفة وإدارة المعلومات،
كالفرق بين من يضع الكتب على الرفوف، ومن يقرأها ويعيد تفسيرها.
الأول يجمع، والثاني يُبدع.
المعرفة لا تتراكم بالكمّ، بل بالنموّ النوعي للعقل الجمعي للمؤسسة.
ولذلك فإن جوهر إدارة المعرفة هو تمكين الإنسان من التفكير والتأثير والإسهام في القرار.
حين يتحول الموظف من “منفّذ” إلى “مشارك معرفي”،
تبدأ المؤسسة في بناء ذاكرتها، وتتحول التجارب الفردية إلى رأس مالٍ فكري مستدام.
الخلاصة:
إدارة المعرفة ليست صيداً للأفكار ولا حصراً للأنشطة،
بل نظام إداري واعٍ يمنح العقول فضاءها لتبدع،
ويجعل التجربة جزءا من القرار،
ويحوّل الإنسان من مستخدم للنظام إلى عنصرٍ منتجٍ للمعرفة.
فمن يظن أن إدارة المعرفة تُدار بالخوادم، لم يدرك حقيقتها؛
إدارة المعرفة هي إدارة الوعي المؤسسي،
وهي النقطة التي تلتقي فيها التجربة بالمنهج، والعقل بالنظام، والفكر بالإنتاج.
بقلم: د. حسن بن عبدالله آل خضران القرني
دكتوراه في إدارة المعرفة
مستشار ومدرب دولي معتمد في نظام إدارة المعرفة ISO 30401:2018
إدارة المعرفة
إدارة_المعرفةمن_القدرة_إلى_الأثركما قال بيتر دركر:إدارة المعرفة ليست إدارة داعمة، ولا وظيفة تجميع، و...
اقرأ المزيد